ابن الجوزي
393
كتاب ذم الهوى
قال ابن خلف : وقال أبو عبيدة : كان المجنون يجلس في نادي قومه وهم يتحدثون ، فيقبل عليه بعض القوم ؛ فيحدثه وهو باهت ينظر إليه ، ولا يفهم ما يحدثه به ، ثم يثوب إليه عقله فيسأل عن الحديث فلا يعرفه . فحدّثه مرة بعض أهله بحديث ، ثم سأله عنه في غد ، فلم يعرفه ، فقال : إنك لمجنون . فقال : إني لأجلس في النادي أحدّثهم * فأستفيق وقد غالتني الغول يهوي بقلبي حديث النفس دونكم * حتى يقول خليلي أنت مخبول فقال أبو عبيدة : فتزايد الأمر به حتى فقد عقله ، فكان لا يقرّ في موضع ، ولا يؤويه رحل ، ولا يعلوه ثوب إلا مزّقه . وصار لا يفهم شيئا مما يكلّم به ، إلا أن تذكر له ليلى ، فإذا ذكرت أجاب النداء به ورجع عقله . أنبأنا محمد بن عبد الباقي ، قال : أنبأنا علي بن المحسّن ، قال : أنبأنا ابن حيّويه ، قال : حدثنا محمد بن خلف ، قال : روى رباح بن حبيب ، عن رجل من بني عامر قال : لما كثر ذكر المجنون لليلى ، واشتهر أمره ، اجتمع إلى أبيه أهله ، وكان سيدا فقالوا له : زوّج قيسا فإنه سيكفّ عن ذكر ليلى ، وينساها ، فعرض عليه أبوه التّزويج فأبى وقال : لا حاجة لي إلى ذلك . فأتى ليلى بعض فتيان القوم ممن كان يحسد قيسا ويعاديه ، فأخبرها أنه على أن يتزوّج . وجاء المجنون كما كان يجيء ، فحجبته ، ولم تظهر له ، فرجع وهو يقول : فو اللّه ما أدري علام هجرتني * وأيّ أموري فيك يا ليل أركب أأقطع حبل الوصل ، فالموت دونه * أم اشرب رنقا منكم ليس يشرب أم اهرب حتى لا يرى لي مجاور * أم افعل ماذا ، أم أبوح فأغلب فو اللّه ما أدري وإني لدائب * أفكّر ما جرمي إليها فأعجب قال : فبلغها قوله : فأنشأت تقول : صدق واللّه قيس حيث يقول : ومن يطع الواشين لا يتركوا له * صديقا وإن كان الحبيب المقرّبا